محمد رأفت سعيد

10

تاريخ نزول القرآن الكريم

فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 7 ) [ القصص ] فهذه المعاني العظيمة التي تجمع أمرين ، ونهيين ، وبشارتين تمت لأم موسى في موقف مخيف عصيب عن طريق الوحي ، بمعنى إلقاء هذه المعاني في قلبها ، وتبعها حركة وسلوك وعمل يبين كيف أن هذا الإلقاء في القلب ، والإلهام له قوة الأمر الصادر المباشر والمواجه بالمعاينة لأم موسى ، فبمقتضى هذا الإلهام كان ربط الله على قلبها ؛ حتى لا يعصف به الخوف من فرعون وعمله في قتل الأطفال ، وابنها طفل منهم ؛ فلم يظهر عليها ما ينبه إلى وجود طفل تخفيه ، وبهذا الإلهام أرضعته كما ترضع الأم طفلها ؛ إبقاء على حياته ، وهذا أقصى ما تستطيعه أم موسى . وبهذا الوحي تؤمر بما يستوقفنا للتدبر واستخراج العظة والاعتبار . فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ، كنا نتوقع أن يكون الخطاب : إن خفت عليه فابذلى أقصى جهدك في إخفائه ، ولكن الإلهام كان إلى غير ذلك : فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ . وكان موقف القرآن الكريم - هنا - يعلمنا أن الإنسان في مواجهته للأمور - مهما كانت شدتها - عليه أن يبذل أقصى ما يستطيعه ، مستعينا ومتوكلا في بذله هذا على ربه ، دون كسل أو خمول ، وأما ما لا يستطيعه بعد ذلك فإن توكله هذا سيحول مصدر الخطر إلى مصدر أمان ، كما حول الله البحر الهائج المخيف الذي تملأ أمواجه القلوب رعبا إلى حصن دافئ ، ومكان أمين للطفل موسى . فتصنع له الصندوق بمقتضى هذا الإلهام ، وتلقيه في اليم ، وتأمر أخته بأن تقص أثره لتجد أن الصندوق تحمله الأمواج إلى مصدر الخطر نفسه ؛ إلى البيت الذي صدر فيه الأمر بقتل الأطفال ، وموسى طفل ، إذن يعلو صوت فرعون : « اقتلوه » ، ولكن يلقى الله محبة موسى في قلب زوج فرعون فتصدر أمرا آخر : قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ [ القصص : 9 ] وينتصر أمر الزوجة ، ويبقى موسى ، ولكن كيف يتحقق الإلهام الآخر لأم موسى بالبشرى في رد موسى إلى أمه ؟ تعرض المراضع على موسى فيعرض عنهن ، ويشار على بيت فرعون بأنه بقيت امرأة لم تأت بعد وهي أمه ، وجئ بها ، وعرض عليها الطفل ، وأقبل على ثديها . فقيل لها : امكثي في البيت لترضعيه ، فأبت لأنها مطمئنة إلى ما ألهمت به إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ ، وتعللت بشغل بيتها ، فأخذت طفلها معها وعادت إلى بيتها وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ( 39 ) [ طه ] ، ويظل حتى يصير من المرسلين . فهذه المعاني تحققت عن طريق هذا المعنى من الوحي . وأما مثال الإلهام الغريزي الذي يحمل معنى التخيير ففي قوله تعالى : وَأَوْحى